عبد الملك الجويني
29
نهاية المطلب في دراية المذهب
كالثوب النجس ولا يمتنع بيعه . ومن شرط استعمالَ الماء حالة الدبغ - إذا لم يستعمل - يرى الجلدَ نجسَ العين ، كما تقدم تفريعه . الفصل الثالث في حكم الجلد بعد الدّباغ 32 - فالمنصوص عليه للشافعي رحمه الله في الجديد ، أن الجلدَ إذا دُبغ ، طهر ظاهره وباطنه ، وتجوز الصلاة فيه ملبوساً ، كما تجوز الصلاة عليه مفروشاً ، ويجوز استعماله في الرطب واليابس ، ويجوز بيعه . ومذهب مالك ( 1 ) فيما حكاه أصحابنا أنه لا يطهر بالدباغ إلا ظاهرُ الجلد . وهذا غير صحيح من جهة أن عينَ الجلد كان نجساً قبل الدباغ ، ويستحيل أن ينقلب ظاهره طاهراً دون باطنه . ونقل عن الشافعي قولٌ في القديم يمنع بيعَ الجلد بعد الدِّباغ ، وكان شيخي يحكي عن القفال : إنه لا ينقدح توجيه هذا القول إلا بتقدير قولٍ للشافعي موافقٍ لمذهب مالك في أن باطن الجلد لا يَطهر ؛ إذ لو كان طاهراً ، لم يتجّه لمنع البيع وجهٌ ؛ إذ البيعُ تارةً يمتنع لتعظيم الحرمة ، كما يمتنع بيع الحُرّ ، وقد يمتنع لخسّة الشيء ، كما يمتنع بيعُ النجاسات ، ولو كان المدبوغ طاهراً ظاهراً وباطناً ، لما كان فيه مانع عن البيع من الجهتين اللتين ذكرناهما . وقوله عليه السلام : " هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به " عامّ في جهات الانتفاع ، غير مُشعر بمنعِ البيع . وعلى الجملة معتقدي أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي ، حيث كانت ؛ لأنه جزم القول على مخالفتها في الجديد ، والمرجوع عنه لا يكون مذهباً للراجع . فرع : 33 - اشتهر اختلاف الأئمة في أن جلد الميتة إذا دبغ ، وحكمنا بطهارة باطنه وظاهره ، فهل يحل أكله ؟ فمنهم من حرّم . وهو الظاهر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصّة
--> ( 1 ) ر . الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب : 1 / 110 مسألة : 10 ، عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب : 1 / 178 مسألة : 43 ، جواهر الإِكليل : 1 / 9 .